الحكيم الترمذي
50
غور الأمور
أي لا تطيعوا النفس الباطنة . فإنها تأمركم بالفحشاء والمنكر ، وقال : إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا . « 1 » أي من أطاعني في الحلال . فإن في الحلال غنية عن الحرام . قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ « 2 » وقال كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ « 3 » . فأباح أكل الحلال من الطيبات ، واقتضى الشكر على ما أحل وأباح لا على النعمة ، ثم قال إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ؛ فجعل شكر على إباحته لك الحلال عبودة وتوحيدا ، ثم اعتذر « 4 » فيما حرم ووصف الحرام فقال : إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ « 5 » . أي أنى لم أحرم عليكم إلا مثل هذه ، فلو كنت أحللت لكم مكان هذه الطيبات تلك الفواحش والحرام ما كنتم تصنعون ، وكيف كنتم تتناولون ذلك فأشكرون على أنى أحللت لكم شهوتكم التي تشتهون ، وحرمت عليكم ما تستقذرون ونجس نفوسكم إذا ذكرتموها . وقوله وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ « 6 » الذي إذا ذبح لم يذكر عليه اسمى ، ما تصنع به
--> ( 1 ) سورة الكهف : آية 7 . ( 2 ) سورة المؤمنون : آية 51 . ( 3 ) سورة البقرة : آية : 172 . ( 4 ) الاعتذار من اللّه تعالى لا يليق بجلاله وكماله سبحانه وتعالى ، وربما خان التعبير الشيخ رحمه اللّه فليس بالآية الكريمة اعتذار ، وإنما هو تفصيل للمحرمات ، وعلاقتها توضيحية وتفصيلية بالآية السابقة ، فبعد أن أباح تعالى أكل جميع الطيبات ، حدد المحرمات فيما ليس بطيب ، ولا تنسحب عليه تلك السمة . وهذا يتضح من قوله إنما التي أفادت القصر تخصيصا . ( 5 ) سورة البقرة : آية 173 . ( 6 ) سورة البقرة : آية 173 .